محمد بن وليد الطرطوشي
69
سراج الملوك
أفق من غشيتك ، أبصر من حيرتك ، ثم أنشأ يقول : يا خدّ إنّك إن توسّد ليّنا * وسّدت بعد الموت صمّ الجندل « 1 » فأمهد لنفسك صاعدا تسعد به * فلتندمنّ غدا إذا لم تفعل « 2 » فانتبهت فزعا ، فخرجت من ساعتي هاربا إلى ربّي . وقال عبد الواحد بن زيد « 3 » : ذكر لي أنّ في جوانب الأبلّة « 4 » ، جارية مجنونة تنطق بالحكمة ، فلم أزل أطلبها ، حتى وجدتها في خرابة جالسة على حجر ، وعليها جبّة صوف ، وهي محلوقة الرأس ، فلمّا نظرت إليّ ، قالت من غير أن أكلّمها : مرحبا بك يا عبد الواحد ، فقلت لها : رحّب الله بك ، وعجبت من معرفتها لي ، ولم ترني قبل ذلك ، فقالت : ما الذي جاء بك هاهنا ؟ فقلت : جئت لتعظيني ، فقالت : وا عجباه لواعظ يوعظ ، ثم قالت : يا عبد الواحد ، اعلم أن العبد إذا كان في كفاية ، ثم مال إلى الدنيا ، سلبه الله حلاوة الزهد ، فيظلّ حيران والها ، فإن كان له نصيب عند الله عاتبه وحيا في سره ، فقال : يا عبدي أردت أن أرفع قدرك عند ملائكتي وحملة عرشي ، وأجعلك دليلا لأوليائي وأهل طاعتي في أرضي ، فملت إلى عرض من أعراض الدنيا وتركتني ، فورّثتك بذلك الوحشة بعد الأنس ، والذلّ بعد العزّ ، والفقر بعد الغنى ، عبدي : ارجع إلى ما كنت عليه أرجع لك ما كنت تعرفه من نفسك . ثم تركتني وولّت عني ، وانصرفت عنها ، وبقلبي حسرة منها ، وأنشدوا « 5 » : إنّك في دار لها مدّة * يقبل فيها عمل العامل أما ترى الموت محيطا بها * يقطع فيها أمل الآمل تعجّل الذنب بما تشتهي * وتأمّل التّوبة من قابل والموت يأتي بعد ذا غفلة * ما ذا بفعل الحازم العاقل * * *
--> ( 1 ) الجندل : الصخر العظيم . ( 2 ) امهد لنفسك صاعدا تسعد له : هيئ لنفسك عملا صالحا ومنزلة عالية تسعد بها في الآخرة ، وفي ( خ ) : صالحا بدل صاعدا . ( 3 ) عبد الواحد بن زيد : الزاهد القدوة شيخ العباد ، أبو عبيدة البصري من المحدثين الوعاظ ، مات بعد الخمسين ومائة ه . ( سير أعلام النبلاء ج 7 / 179 ) . ( 4 ) الأبلة : أعظم ثغور فارس شأنا وأشدها شوكة ، وكان أميرها « هرمز » من أسوأ أمراء الفرس معاملة للعرب ، وهي الثغر الذي كانت تسير التجارة منه إلى الهند والسند . ( أيام العرب في الإسلام ص 186 ) . ( 5 ) وردت الأبيات هذه في تاريخ مدينة دمشق ( 56 / 228 ) .